ابن أبي الحديد
208
شرح نهج البلاغة
واحد متشابه الجوهر والطبع ، ولكنها أقوال قال بها قائل فقبلها قائل ، ونقلها ناقل ، فحسن فيها ظن السامع ، واغتر بها من لا خبرة له ولا قدرة له على النظر . ثم حكم بها الحاكمون بجيد ردئ ، وسلب وإيجاب ، وبت وتجوز ، فصادف بعضه موافقة الوجود فصدق ، فيعتبر به المعتبرون ، ولم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذبوه ، بل عذروا وقالوا : إنما هو منجم ، وليس بنبي ، حتى يصدق في كل ما يقول ، واعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به أحد ، ولو أحاط به أحد لصدق في كل شئ ! ولعمر الله أنه لو أحاط به علما صادقا لصدق ، والشأن في أن يحيط به على الحقيقة ، لا أن يفرض فرضا ، ويتوهم وهما فينقله إلى الوجود وينسب إليه ، ويقيس عليه . قال : والذي يصح من هذا العلم ويلتفت إليه العقلاء ، هي أشياء غير هذه الخرافات التي لا أصل لها ، فما حصل توقيف أو تجربة حقيقة كالقرانات والمقابلة ، فإنها أيضا من جملة الاتصالات ، كالمقارنة من جهة أن تلك غاية القرب وهذه غاية البعد ، ونحو ممر كوكب من المتحيرة ، تحت كوكب من الثابتة ، ونحوه ما يعرض للمتحيرة من رجوع واستقامة وارتفاع في شمال ، وانخفاض في جنوب ، وأمثال ذلك . فهذا كلام ابن ملكا كما تراه يبطل هذا الفن من وجه ، ويقول به من وجه . * * * وقد وقفت لأبي جعفر محمد بن الحسين الصنعاني المعروف بالخازن ، صاحب كتاب زيج الصفائح على كلام في هذا الباب مختصر له سماه كتاب العالمين أنا ذاكره في هذا الموضع على وجهه ، لأنه كلام لا بأس به ، قال : إن بعض المصدقين بأحكام النجوم وكل المكذبين بها ، قد زاغوا عن طريق الحق والصواب فيها ، فإن الكثير من المصدقين بها قد أدخلوا فيها ما ليس منها ، وادعوا ما لم يمكن إدراكه بها ، حتى كثر فيها خطؤهم ، وظهر كذبهم ، وصار ذلك سببا لتكذيب أكثر الناس بهذا العلم .